الجاحظ
273
رسائل الجاحظ
بناته على الولادة واتخاذ الصاحبة ، فكيف يجوز مع ذلك أن يكون اللّه قد كان يخبر عباده قبل ذلك بأن يعقوب ابنه ، وأن سليمان ابنه ، وأن عزيرا ابنه ، وأن عيسى ابنه ؟ . فاللّه تعالى أعظم من أن يكون له أبوة من صفاته ، والإنسان أحقر من أن يكون بنوة اللّه من أنسابه . والقول بأن اللّه يكون أبا وجدا وأخا وعما ، للنصارى ألزم ، وإن كان للآخرين لازما ، لأن النصارى تزعم أن اللّه هو المسيح بن مريم ، وأن المسيح قال للحواريين : « إخوتي » . فلو كان للحواريين أولاد لجاز أن يكون اللّه عمهم ! ، بل قد يزعمون أن مرقش هو ابن شمعون الصفا ، وأن زوزري ابنته ، وأن النصارى تقرأن في إنجيل مرقش : « مازاذ أمك وإخوتك على الباب » وتفسيرها : مازاذ : معلم . فهم لا يمتنعون من أن يكون اللّه تبارك وتعالى أبا وجدا وعما . ولولا أن اللّه قد حكى عن اليهود أنهم قالوا : ؛ إن « عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ » ، يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وحكى عن النصارى أنهم قالوا : « المسيح ابن اللّه » وقال : قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ . وقال : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ - لكنت لأن أخر من السماء أحب إلي من أن ألفظ بحرف مما يقولون . ولكني لا أصل إلى إظهار جميع مخازيهم ، وما يسرون من فضائحهم ، إلا بالإخبار عنهم ، والحكاية منهم . فإن قالوا : خبرونا عن اللّه ، وعن التوراة ، أليست حقا ؟ قلنا : نعم . قالوا : فإن فيها « إسرائيل بكري » وجميع ما ذكرتم عنا معروف في الكتب . قلنا : إن القوم إنما اتوا من قلة المعرفة بوجوه الكلام ، ومن سوء الترجمة ، مع الحكم بما يسبق إلى القلوب . ولعمري أن لو كانت لهم عقول المسلمين ومعرفتهم بما يجوز في كلام العرب ، وما يجوز على اللّه ، مع فصاحتهم بالعبرانية ،